محمد متولي الشعراوي

755

تفسير الشعراوي

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) والحق كما أوضحت من قبل لا يقتحم على العباد أمورهم ولكنه يعرض عليهم أمر الإيمان به ، فإن آمنوا فهذا الإيمان يقتضى الموافقة على منهجه ، ولذلك فالمؤمن يشترك بعقيدته في الإيمان بما كتب اللّه عليه . إن المؤمن هو من ارتضى اللّه إلها ومشرعا ، فحين يكتب اللّه على المؤمن أمرا ، فالمؤمن قد اشترك في كتابة هذا الأمر بمجرد إعلانه للإيمان . أما الكافر بالحق فلم يقتحم اللّه عليه اختياره للكفر ، لذلك لم يكتب عليه الحق إلا أمرا واحدا هو العذاب في الآخرة . فاللّه لا يكلف إلا من آمن به وأحبه وآمن بكل صفات الجلال والكمال فيه . ولذلك فالتكليف الإيمانى شرف خص به اللّه المحبين المؤمنين به ، ولو فطن الكفار إلى أن اللّه أهملهم لأنهم لم يؤمنوا به لسارعوا إلى الإيمان ، ولرأوا اعتزاز كل مؤمن بتكليف اللّه له . إن المؤمن يرى التكليف خضوعا لمشيئة اللّه . والخضوع لمشيئة اللّه يعنى الحب . وما دام الحب قد قام بين العبد والرب فإن الحق يريد أن يديم هذا الحب ، لذلك كانت التكاليف هي مواصلة للحب بين العبد والرب . إن العبد يحب الرب بالإيمان ، والرب يحب العبد بالتكليف ، والتكليف مرتبة أعلى من إيمان العبد ، فإيمان العبد باللّه لا ينفع اللّه ، ولكن تكاليف اللّه للعبد ينتفع بها العبد . إن المؤمن عليه أن يفطن إلى عزة التكليف من اللّه ، فليس التكليف ذلا ينزله الحق بعباده المؤمنين ، إنما هو عزة يريدها اللّه لعباده المؤمنين ، هكذا قول الحق : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ » إنها أمر مشترك بين العبد والرب . إن الكتابة هنا أمر مشترك بين الحق الذي أنزل التكليف وبين العبد الذي آمن بالتكليف .